المرأة التي أهلكت شمشون الجبار
تتحدث التوراة عن النساء اللواتي عمدن إلى الكذب والنفاق والخداع والغدر، وارتكبن الفحشاء، ولم يحجمن عن الإقدام على كل نقيصة، في خدمة قومهن ومحاربة أعداء اليهود. والتوراة تصف أولئك النسوة بأنهن مثال للوطنية الحقة والوفاء للعشيرة. والمؤرخون اليهود – وغير اليهود – يجارون التوراة فيما ذكرته عن ذلك الرهط من الاسرائيليات الحسان، ويضيفون إليهن أسماء أخريات سرن فيما بعد على نهجهن ونسجن على منوالهن. فيهوديت وأستير، وهيرودياس، وسالومي وغيرهن من النسوة اللواتي إرتكبن ما أشرنا إليه من موبقات، كلهن أصبحن في نظر اليهود ومؤرخي افرنج، ممن يتأثرون بما جاء في التوراة، رمزاً للبطولة والإخلاص والتفاني في سبيل الوطن والأهل والمواطنين.
فدليلة إذن ضحية اليهود الذين سودوا صفحتها وشوهوا سمعتها، لأنها لم تغدر بأحد من أعداء اليهود، بل ببطل من أبطالهم، ولو لم يكن شمشون يهودياً، بل لو كان شمشون خصماً لليهود، لرأينا دليلة تتحول إلى امرأة صالحة أبيه وفية، مثل يهوديت واستير وهيرودياس وسالومي.
فمن هو شمشون، ومن هي دليلة؟
إن شمشون واحد من قضاة اليهود، تقول عنه التوراة في سفر القضاة أنه
ولد بصورة عجيبة وأنه كان ذا قدرة لم يكن ولن يكون مثلها من قبل ولا من بعد. ومعنى
اسمه بالعبرية "الشمس الصغيرة". وكان الفلسطينيون في عهده متسلطين على
إسرائيل. والفلسطينيون شعب يعتقد بعض المؤرخين أنه من سلالة جماعة من المصريين
استوطنوا الساحل الشمالي، ويعتقد البعض أنه جاء من جزر اليونان، ويقول آخرون أنه خليط
من المصريين والفينيقيين واليونانيين. وقد أنشأ ذلك الشعب دولة على الساحل بين غزة
وحيفا، وأطلق اسمه على البلاد التي عرفت فيما بعد باسم "فلسطين"، وكان
خصماً لليهود نازلهم في الميادين وأذاقهم الأمرين وفتك بهم وبسط سلطانه عليهم مدة
من الزمن. وفي سنة 1209 قبل الميلاد امتد ملك الفلسطينيين حتى شمل صيدا الفينيقية
شمالاً.
ولكن اليهود تغلبوا عليهم في عهد شمشون الجبار العنيد، الذي راح ينكل
بالفلسطينيين، ويحرق زرعهم، ويقطع أشجارهم، ويقتل نساءهم وأطفالهم، وينهب بيوتهم،
ومواشيهم. كل ذلك بأمر الرب طبعاً، كما في التوراة، لأن الله – كما تصفه التوراة –
لم يكن له هم غير تسليط بنى إسرائيل على عباد الله في الأرض، ومساعدتهم في أعمال
الذبح والتدمير والسلب التي كانوا منصرفين إليها!
سبى الفلسطينيون زوجة شمشون فانطلق الجبار "واصطاد ثلاثمائة
ثعلب وأخذ مشاعل فجعل الثعالب ذنباً إلى ذنب وجعل بين كل ذنبين مشعلاً، وأوقد
المشاعل وأرسلها في زرع الفلسطينيين فأحرقت الأكداس والزرع حتى الزيتون!"
وحاصره أعداؤه مرة فتناول فك حمار وقتل به ألف رجل – ولم ينكسر فك
الحمار!
وحبسه الفلسطينيون مرة في مدينة غزة فهرب منها وحمل معه أبواب
المدينة!
وفكر الفلسطينيون في طريقة يتخلصون بها من ذلك الوحش البشري الذي
سلطه عليهم رب إسرائيل، وانتهى بهم التفكير إلى إقرار حيلة طالما لجأ إليها اليهود
أنفسهم منذ نزولهم في أرض فلسطين غزاة فاتحين. فقد كان اليهود يسلطون النساء على
أعدائهم، فلماذا لا يفعل الفلسطينيون مثلهم ويسلطون نساءهم على اليهود؟ ولماذا لا
يحاربون خصومهم بالسلاح ذاته الذي يستخدمه أولئك الخصوم في محاربة الفلسطينيين
وغير الفلسطينيين من شعوب الأرض؟
وفتش الفلسطينيون حولهم عن امرأة تصلح للقيام بالدور الذي خصوها به، فوجدها
لهم شمشون نفسه!
تلك المرأة هي دليلة. ودليلة فلسطينية من وادي سريق بالقرب من غزة،
وليست يهودية كما يتبادر إلى الأذهان. وقد علق بها شمشون وأحبها وركن إليها، وصار
يتردد على بيتها كل يوم، بل أقام معها في النهاية. "فصعد إليها أقطاب
الفلسطينيين وقالوا لها خادعيه وانظري ما سبب قوته العظيمة وبماذا نتمكن منه حتى
نوثقه ونقهره، ونحن ندفع إليك كل منا ألفا ومائة من الفضة!"
كان فيما عرضه القوم على المرأة إغراء وأي إغراء. فشمشون اليهودي
بالنسبة إلى دليلة الفلسطينية عدو لا يؤمن جانبه، وإن كان قلبه قد خضع لسلطان
الغرام. فإذا خانته، فإنما هي تخون عدوا وخيانة العدو في نظرها فضيلة طالما مارسها
القوم الذين ينتمي إليهم ذلك العاشق نفسه. وفي هذه الخيانة كل الخير لمواطنيها
الفلسطينيين الذين ينغص شمشون عيشهم.
![]() |
| خداع دليلة |
قبلت دليلة إذن ما عرض عليها، واستعانت بكل ما فيها من دهاء ومكر
ودلال، فجعلت تكثر من مداعبة عشيقها، وتختار الوقت المناسب، وهو بين أحضانها، لتلقى
عليه السؤال بعد السؤال، مستفهمة منه عن سر القوة الخارقة الكامنة فيه. ولكن شمشون
الخبيث كان يتهرب من الرد مرة بعد مرة، أو يكذب عليها في رده مرة بعد مرة، أو
يراوغ ويخادع من ناحيته مرة بعد مرة. غير أن المرأة كانت في النهاية أبعد مكراً
وأوسع حيلة منه، فضيقت عليه الخناق وأزعجته بالسؤال والتكرار "فأطلعها على كل
ما في قلبه، وقال لها لم يعل رأسي موسى لأني ناسك لله من بطن أمي، فإن حلق رأسي
فارقتني قوتي ضعفت وصرت كواحد من الناس!"
![]() |
| حلق شعر شمشون |
باح إذن شمشون الجبار بسره الرهيب، وعلمت المرأة أن قوته مستمدة من
شعره الكثيف. واسمع ما تقوله التوراة في وصف ما حدث بعد معرفة السر المرتقب: "رأت
دليلة أنه قد كاشفها بكل ما في قلبه. فأرسلت ودعت أقطاب الفلسطينيين وقالت: "اصعدوا
فإنه كاشفني بكل ما في قلبه". فصعد إليها أقطاب الفلسطينيين والفضة بأيديهم.
فأضجعته على ركبتيها، ودعت رجلاً فحلق خصل رأسه السبع. وطفقت تعينه وقد فارقته
قوته.
وقالت له: "قد دهمك الفلسطينيون يا شمشون"، فاستيقظ من نومه وقال:
"اخرج كما كنت أصنع كل مرة". وانتفض وهو لا يعلم أن الرب قد فارقه. فقبض
عليه الفلسطينيون وقلعوا عينيه ونزلوا به إلى غزة وشدوه بسلسلتين من نحاس، وكان
يطحن في السجن".
أما بقية القصة فليس من يجهلها: فقد نبت شعر رأسه من جديد – ويحار المرء في تعليل غباوة أعدائه الذين تركوا ذلك الشعر ينمو وهم يعلمون أنه سر قوته! – وبينما كان الفلسطينيون ذات يوم يحتفلون بعيد ربهم، وقد ربطوا الجبار اليهودي إلى عمودين وسط الهيكل، إذا به يصيح صيحته القوية التي ذهبت مثلاً: "على وعلى أعدائي يا رب!" ويقبض على عمودي الهيكل ويتكئ عليهما فيسقط الهيكل على من فيه. فمات شمشون "وكان الذين قتلهم في موته أكثر من الذين قتلهم في حياته" أي بضعة آلاف.



تعليقات
إرسال تعليق